ثقافة رحلة الذّاكرة على ناصية المدينة: قراءة نقديّة لأعمال صالون صفاقس للفنون التّشكيليّة الدّورة 30.. بقلم أ.م: ياسمين الحضري
بقلم أ.م: ياسمين الحضري
مقدّمة:
يخطو صالون صفاقس للفنون التّشكيليّة في دورته الثلاثين تحت عنوان "ذاكرة وعبور ..." خطوات مغايرة بدأت بتغيير المسار نحو قلب المدينة العتيقة تلبيةً لتيمته. عبور لا ينكر لقاعة الأفراح البلديّة بصفاقس جميلها
أين أُحتضن الصّالون لسنوات متتالية وما الذّاكرة الرّاسخة بالمكان خير دليل على ذلك ليفتح متحف "دار الجلّولي" أبوابه يوم 10 أفريل 2026 لاستقبال الفنّانين التّشكيليين وجمهور الفنّ إلى حدود الخامس والعشرين من نفس الشّهر في دورة جديدة.
دورة بطعم الاسترجاع والحنين تستشعره من حرارة المكان الذي ضمّ 84 عمل فنّي تشكيلي من مختلف الاختصاصات: رسم، حفر، خزف، تصوير فوتوغرافي، تنصيبات وفيديوغرافيا ومحاولات في دمج بعض الاختصاصات بتقنية الذّكاء الاصطناعي واستعمال التكنولوجيات الحديثة. ذلك هو المنطق المتأرجح بين التّجديد والتشبّث بالحديث بين مواضيع انطلقت من ذاكرات مختلفة طفوليّة، فرديّة، جمعيّة ومكانيّة تقاطعت مع ذاكرة المتحف وطابعه المعماريّ القديم وما شهدته جدرانه من حكايا.
لا شكّ أنّ "السّير يصنع الطّريق" على رأي الشّاعر الاسباني "أنطونيو ماتشادو"، إذ أنّ الذّاكرة تبقى ثابتة بلا شكّ رغم تحوّلها إلاّ أنّ الطّرق تختلف في التّعبير عنها ومن هنا يبدأ العبور وشقّ الطّرق وتكوين المسارات نحو تأسيس رؤى فنيّة حاولت أن تخضع لنواميس التّيمة في بلوغ معناها تقنيّا وماديّا.
إذن ماهو المسار الذي اتّبعته جملة من أعمال الصّالون في محاولة لبلوغ ثنائيّة الذّاكرة والعبور؟ كيف استُخدمت الذّاكرة كوسيلة فنيّة لمقاومة النّسيان؟ إلى أيّ مدى يؤثّر العبور في إعادة تشكيل الذّاكرة؟ هل يبقى الفنّان محكوما إلى "النوستالجيا" أم يعيد حياكتها حسب التغيرات المحيطة به؟
1- ترسّبات الطّفولة عبور نحو تفكيك الذّاكرة البصريّة:
في محاولة لتقسيم الأعمال وفق رؤية منهجيّة بغضّ النّظر على طبيعتها في اتّجاه لقراءة نقديّة، ارتأيت بأن يكون التّقسيم حسب أنواع الذّاكرات تبدأ بالطّفوليّ منها، ففي "عبور داخل الذّاكرة" للفنّانة التشكيليّة منال علولو نغوص في طبقات من الذّاكرة بل دعنا نقول "طبقات أركيولوجيّة" وكأنّنا نستند إلى مفهوم من مفاهيم علم الآثارتُفهم بوصفها تراكمات زمنيّة أين برعت الفنّانة في تجسيدها تكوينيّا من خلال تلك التموّجات والأجزاء المتراصفة فوق بعضها البعض. كأنّنا إزاء عمليّة تنقيب بل "حفر بصريّ" يوازيه تشكيليّا القراءة التّحليليّة والتّأوليّة للعمل الفنّي لتكوينات وجزئيات لونيّة وماديّة من ناحية تقنيّة.

صورة عدد1/ منال علول: عبور داخل الذّاكرة
لوحة + جهاز الواقع الافتراضي (CVR)
تستدعي "علولو" في عملها الدّمية ليس كمجرّد لعبة تظلّ في الذّاكرة بل كرفيق درب وونيس في فترة من فترات الحياة تظلّ حاضرة وشاهدة على ما يسمّى "بالذّاكرة الأولى" تحفر في الماضي نحو ذاكرات جديدة تحفر في الذّاكرة الرّقميّة بإدخال الواقع الافتراضي عن طريق"casque VR" لتحريك ما هو ثابت وإعادة اكتشاف الذّات الطّفوليّة في الذّات الواعية اليوم، ولعمري أنّه عبور داخل الذّوات يتحرّر مع تحرّر الثّياب المنسابة من الحبل، ثياب طائرة راقصة نحو السّماء على إيقاع الصّوت المصاحب للعمل فيجعلك تطير نحو الأفق في رحلة غامرة "un voyage immersif" حتّى ترسي أمام عمل "Cartographie d’une mémoire fragmentée " لمريم العكروت أين تتجرّد الألعاب من "السيارة - اللّعبة" و "الدّبّ" من أشياء نحو تفكيك محكم للدّلالات فتتحوّل من تفاصيل بريئة نحو ماديّة الشيء في تكوين ذاكرة عاطفيّة - حميميّة بين ما توفّره هذه الألعاب من طمأنينة وأمان (دمية...) وبين العبور والسير من (السّيّارة، السّفينة) نحو تجربة حسيّة.
صورة عدد2/ مريم العكروت Cartographie d’une mémoire fragmentée
120/80 صم
لعلّ ذلك ينفتح على فكرة "الألفة" و"التّلف" بين شعور يرسخ في النّفس والرّوح أيضا وبين بقايا من هذه الألعاب أو زوالها ومن هنا تبدأ فكرة "الغابر" والزّائل كأوّل درس وجوديّ في الحياة ليبقى كلّ شيء شاهد على انتقال غير مكتمل، إنّه عبور نحو الذّات الممكنة التي ستتشكّل.
إنّ في ترسّبات الطّفولة ضمنيّا عبور نحو ذاكرة مشتركة إذ أنّها تستوعب أشياء منّا جميعا، عبور يخرج عن النمطيّ في خطّه المستقيم في معناه العامّ، ليكون عبورا في شكل حلزونيّ في عمل سامي البهلول "سكن الروح" أين تبلغ التنصيبة رهانها الأساسيّ في التفاعل مع العمل الفنيّ في عبور تلك القوقعة في شكلها "باعتبار وأنّ الفنّ أمسى تفاعليّا "interactif" متّصلا بالجماهير وربط منتج الفنّ بالمستهلك وتذويب الفوارق بين الاتّجاهات الفنيّة وردمها."
إنّ في تحوّل الطّين في ماديّته بين أصله وما يؤول إليه، عبور يحمل فكرة المرور من حالة إلى أخرى أمّا ما يجعله في علاقة بالذّاكرة قابليته في التشقّق والتكسّر لفرط هشاشته ورغم ذلك يبقى الأثر. يدعوك هذا العمل الخزفيّ لولوجه والتعمّق أكثر في معناه ومدى تعلّقه بتيمة الصّالون لتجد نفسك في تجربة حسيّة معيشة متعلّقة تعلّقا وثيقا بالطّفوليّ دون الاقتصار على تلك الاستعارة في فكرة المسكن والإيواء و الاستقرار من خلال "الصَّدَفة"، بل بتحويل ذاكرة شخصيّة ربّما نحو تأويل يخدم القراءة النّقديّة وهي جمع الحلزون بعد هطول المطر، إنّه ليس تفصيلا عابرا إنّه عود على بدء، عودة للحياة في كلّ مرّة بمجرّد فعل المرور للتجميع وهو ما يجعل الذّاكرة عابرة ومؤقّتة بل متغيّرة مرتبطة بظروف معيّنة "مناخيّة" بلحظة ما بعد المطر وبذلك يغدو الحلزون في شكله وفي طبيعته وسيطا فنيّا بين فكرة اللّعب وفكرة الزّمن والعبور.
صورة عدد3/ سامي البهلول: "سكن الرّوح" تنصيبة خزفيّة
طين ملوّن + تقنية المينا 960
إذن هل نجحت التنصيبة الخزفيّة لسامي البهلول في بلوغ رهاناتها المعاصرة رغم ما حقّقته من تفاعل على الأقّل في فعل الولوج؟ هل في هذه التشاركيّة ومحاولة إرساء نظريّة التلقّي ارتقاء إلى مفهوم العبور الفنّي نحو فنّ بديل يقحم الآخر في العمل باختلاف أبعاد الذّاكرة فيه؟
إذا كانت الطّفولة ذاكرة خاصّة تغدو بأن تكون مشتركة فإنّ المكان يفتحها على بعد أوسع ومن هنا سيكون المسار أو الانتقال في نوع الذّاكرة من ذاكرة الطّفولة نحو ذاكرة المكان رغم أنّ كلاهما لا يمكن أن ينفصل عن الآخر وفق ثلاثيّة مرتبطة ببعضها البعض: ذاكرة الطّفولة، ذاكرة المكان باختلافاته وذاكرة مكان العرض.
إذن كيف تتغيّر الذّاكرة من "طفوليّة" نحو ذاكرة ذات علاقة بفضاء مادّي "مكان"؟ وإلى أيّ مدى تعيد الذّاكرة بناء نفسها بمجرّد استرجاع الأمكنة؟
2- دور المكان في إنتاج الذّاكرة:
لم تُخلف عمليّة الفرز كعادتها من قبل اللّجنة المكوّنة في الغرض من انتقاء تشكيلة هامّة من الصّور الفوتوغرافيّة والتي أجمعت معظمها بل اتّفقت على أن تتخّذ من المكان محرّكا لإنتاج الذّاكرة تراوحت بين ما بقي من أثر، ركام وحطام وبين ما استُبقي في الأنفس وهو ما يظهر جليّا في عمليْ مريم بلغيث "Déconstruction" و " Passage" حاملة شعار "ماضٍ مبعثر لكنّه قطعة من المستقبل".
تتّفق جلّ الصّور تقريبا في محاولات مقتنصيها مراهنتهم على انتهاج "مباحث حثيثة لجماليّة فوتوغرافيّة تتفاعل مع أسئلة الفنون البصريّة عموما، ضمن العودة للمنابع والأصول المرئيّة لاستغوار الذّاكرة واستكشاف الأثر والعلامات" بكلّ التّفاصيل الموجودة في المكان فيما يتعلّق بالأثر. لعلّها "سيرورة استطيقيّة" لخطوات متتالية وتغيّرات تدريجيّة في قراءة العمل الفنيّ لتحمل صورة الهدم والحطام نحو جماليّة ممكنة لا تجعلك تغلق الباب على هذه الفكرة كاحتمال بأمر من لوحة "المكني" الفوتوغرافيّة بل بفتحه على مصراعيه واستقبال المدينة في أبهى حلّة في عمل أميمة المحجوب "أنين الذّاكرة" في طرق متقاطعة بين ما هو جميل وما هو مهدّم.
صورة عدد4/ وجدي المكني بدون عنوان
فوتوغرافيا 93/63 صم

صورة عدد5/ أميمة المحجوب: أنين الذّاكرة
فوتوغرافيا 54/36 صم
فعندما تنثال الذّاكرة، تأخذ أشكالا ثلاثة، صورا وأحداثا واضحة وجليّة، صورا وأحداثا ملتبسة تحتاج إلى تدقيق وفرز للاقتراب من الحقيقة وصورا وأحداثا تستدعيها الذّاكرة حسب ما تمنّى الإنسان أن تكون وليس كما كانت"، وإنّ النّقطة الأخيرة فيما سلف ذكره كُرّست في عمل إيمان المعلول "باب السّور" في كيف يجب أن يكون المكان، ثابتا، شامخا شاهدا على عصور مضت صامدا لعصور قادمة في محاولة فوتورقميّة فيما بعد الصّيانة.
تبدو الذّاكرة في أغلب الأعمال ثابتة إلاّ أنّ ذلك لا يمنع من وجود ذاكرة متغيّرة تتغيّر بتكرّر الفعل وتأثير المكان فيها وهو ما ينبثق من تجربة فنيّة لياسمين الحضري في تنصيبة اعتمدت فيها على التوثيق عن طريق الصّورة الفوتوغرافيّة كعنصر أساسي فيها إلى جانب تفصيلات أخرى. "لواج رحلة متكرّرة - ذاكرة متغيّرة" تنقل عبورا متكرّرا من نفس الطّريق لتتراكم فيه الذّاكرات ذاكرة المكان، الشّخوص العابرة الذين تلتقيهم الفنّانة في كلّ مرّة في وسيلة النّقل "اللّواج" فتتقاطع حكاياتاهم مع حكاياتها، إلى جانب الكتاب أيضا كتفصيل إيجابيّ في العمل يؤرشف خربشات مدوّنة على صفحاته من تاريخ اليوم والاتّجاه في محاولة لتثبيت "الأنا" في الآن والهنا، فتولد الذاكرة من رحم المعاش لتتواشج مع شذرات من ذاكرة الكاتب والذي يسترجعها بدوره.
صورة عدد6/ ياسمين الحضري: "لواج رحلة متكرّرة – ذاكرة متغيّرة"
تنصيبة 300/200 صم
تتراكم الصّور هنا كطبقات من الذّاكرة حيث يتحوّل العبور من فعل دوريّ إلى تجربة حسيّة بتكرّر الرّحلة وتغيّر المشاعر ليوازي فعل المرور من الطّريق وتتشكّل الذّاكرة.
تكشف سلسلة الصّور الفوتوغرافيّة التي تنقل "الطّريق" (حقول، نهر، أشغال، شاحنات ...) العلاقة بين الإنسان والمكان إذ تساهم في إرساء ذاكرة حتّى مع تلك اللّحظات العابرة، إنّها صور ليست توثيقيّة فقط بل تحاول إمساك ما تبقّى من ظلال، فراغات، أشجار وتفاصيل تتلاشى بالمرور لكنّها تبقى راسخة في الصّورة بعمقها وأبعادها وتركيباتها، ضوئها وإيقاعها وأحجامها المختلفة حتّى وإن كانت ضبابيّة في بعض الأحيان.
صورة عدد7/ الزّائرة بصدد التفاعل مع التنصيبة
يرافق كلّ هذا صوت الطّريق الموثّق للسّيارات العابرة، ضوضاء الرّكّاب حوار السائق وكلّ ذلك يقحم المتقبّل في هذه البيئة الموثّقة للسّفر والعبور ثمّ يتبع المسار ويعود للتاريخ الموثّق على تذكرة السفر وصولا إلى نقطة النّهاية "صفاقس" المدينة - الذّاكرة التي تضمّ ربّما ذكريات الفنّانة وذكريات الزّائرين أين تتفّق في ذلك مع تنصيبة فوتوغرافيّة لحلمي الجريبي بعنوان "ظلّ من صفاقس" في محاولة في التمسّك بالجذور والهويّة والاستقرار في تقديم فنيّ "فإنّ الفنّ إن تديّر منزلا فلكيْ يكون له في البدء مصنع إنشاء وفي المنتهى دار مقام تؤويه" وما المدينة المذكورة إلاّ دار من ديار الذّاكرة الجمعيّة تأوي الجميع.
تتّفق كلّ من تنصيبتيْ "الجريبي" و"الحضري" في بلوغ الإشباع التّنصيبي خاصّة على مستوى التلقّي وجعل الآخر جزءا لا يتجزّأ من العمل في تجربة فنيّة متكاملة دون أن ننسى التّجربة الحسيّة بما فيها من صوت وذاكرة مشحنة بألفة المكان كمحاولة في تكريم للمدينة. إنّ التنصيبات الموجودة في هذا المعرض إلى جانب "الفيديو- آرت" تجعلنا نتساءل عن: إلى أين يتّجه الخطاب النّقدي التّشكيلي اليوم في ظلّ هذه الأشكال الفنيّة؟ وهل بوجودها يمكن أن نعتبر الصّالون قد بلغ رهانات المعاصرة؟
يعتبر فنّ الفيديو "من أهمّ الفنون التي ميّزت الفنّ المعاصر، إذ مكّن الفنّان من التّعامل مع الصّورة وتفجيرها"، وهكذا الحال في فيديو "Flou de marché" (2.47 دقيقة) لضياء قرميط في محاولة تقديم المكان (السّوق) في تركيبة رقميّة يلعب فيها الفنّان دور السّاحر المتحكّم بعصاه ويمسك بقبضة يده أجزاء فقرته فيقرّب، يكبّر، يوضّح ويدخل ضبابيّة لتقديم صورة "الحشد" " la foule" في السّوق ليقابله فضاء مفتوح بلا حدود يضفي إحساسا بالضّياع حتّى يشدّك الخيط المتدلّي من الشاشة ليحكم توثيقك في التّنضيدة الفوتوغرافيّة لليليا التّوهامي "Trasse-âge" في محاولة لدراسة اجتماعيّة تتعلّق تعلّقا وثيقا بقضايا المرأة بين محاولتها في التّحرّر وبين قيود المجتمع والمبادئ المتوارثة في تكريس الذّكوريّة وسلب إرادتها ومنها تطرح أيضا قضايا تشغيل المرأة المهمّشة. لعلّه التزام من الفنّانة بقضايا العصر في طرحها وفق بنية محكمة تبدأ بتوسّط المرأة كمركز ومحاورة المكان ومنه نبش الذّاكرة في عودة للقيود ومحاولة التحرّرمن شعار"الحِدادُ على امرأة الحدّاد"، إنّها تنبش ذاكرة جمعيّة كتمهيد لبعض الأعمال الأخرى التي اتّحدت في تقديم هذا النّوع من الذّاكرة.
صورة عدد8/ ليليا التّوهامي: Trass-âge
تنضيدة فوتوغرافيّة 170/ 76 صم
3- الذّاكرة الجمعيّة وفعل بناء الهويّة:
لا شكّ بأنّ كلّ من أنواع الذّاكرة التي سبق ذكرها وتصنيفها من طفوليّة وأخرى متعلّقة بالمكان لا تكون بمعزل عن الذّاكرة الجمعيّة فبها تتشكّل، إنّه مسار وعبور من الفردي نحو الجمعيّ يسند له سرديّا ضمير "نحن" في محاولة لبناء ذاكرة بصيغة الجمع، نحن جميعا نتنفّس الأرض بدعوة من سامي بن عامر في دائريّة عمله فحتّى في تعريف الدّائرة هندسيّا نجدها مجموعة من النّقط تستبعد مبدأ الوحدة وما على هذه الأرض المدوّرة من ذاكرة نتقاسمها ولو في جزيئات منها ولعلّ في كلّيتها أحيانا، وقد يتّفق هذا ورؤية نجوى عبد المقصود في اتّخاذ الدّائرة شاهدا على الذّاكرة مع بن عامرفي عملها "رحلة الحالمين في زمن الرّداءة" أربع دوائر ترمز للاستمراريّة وتعاقب المراحل بغية بلوغ تيمة العبور (سفن، خريطة، مشاة...) كرحلة رمزيّة فهل يتواصل بناء الهويّة في عالم رديء، مزيّف أم نكتفي بما ترشّح من الرّشح ؟
صورة عدد9/ نجوى عبد المقصود: رحلة الحالمين في زمن الرّداءة
يبقى التّشبّث بالهويّة بمختلف جوانبها شعار الفنّان العربيّ منها الاجتماعيّة فيما يتعلّق بانتماء الفرد للجماعات ومنها الثقافيّة كاللّغة والعادات والتّقاليد والتراث الفنّي والأدبي، تتسّم بالتّحوّل وبالتغيّر رغم تأثّرها بالذّاكرة،
إذن تتشكّل الذّكريات وتصبح وسيلة للمقاومة، مقاومة الثّبوت والنّسيان ثنائيّة تقحمك في أعماق تنضيدة هالة الهذيلي "قصص من الخابية" في انعكاس الصورة على المحمل الخزفيّ فيخيّل إليك أنّه يتحرّك رغم جموده، الصّوت كذلك يشعرك بالأنس فتستأنس به لتغوص في أعماق رحلتها في تهجين واضح بين العصفور المخضرم التائق للحريّة والإصرار على العودة "للخابية". تنبع من هذه الأخيرة حكايا محفوظة إذ تقوم بوظيفتها على أكمل وجه "الحفظ" "Conservation " بصوت الامّ ورائحتها وتعاليق الإخوة والمتسامرين فتتقاطع الحكايات تتواشج بل تحيك إرثا صوتيّا يوثّق لحظات من الحياة في خلطة من الزّمن بين ما يحكى من "خرافات" وبين ماهو يوميّ معاش كما تتقاطع أيضا مع ما تسرده الجدران "جدران دار الجلّولي" وما ترسّب فيها من قصص إذ "للجدران اذان" تسمع وتخزّن تنبعث من الألوان في الخزف الحائطيّ وفي الأرضيّة وهو ما يجعلك تنبهر بهذا الإرث. لعلّ هذا الانبهار من عراقة العمارة بمكوّناتها يؤثّر في بعض الأحيان عن الأعمال المعروضة ويهضم ربّما حقّها في الظّهور والتجلّي، مادّة معماريّة دسمة أثّرت في بعض الأعمال ليس عمدا بل ظنّا بأنّها تتماهى مع التيمة في جانب الذّاكرة.
نأخذ بين العمل الفنّي والمعمار نفسا "بفاصلة" دلال الصماري وهو عنوان عملها وإن كانت وظيفة الفاصلة في النصّ هي الفصل بين الجمل القصيرة لتفادي اللّبس وتحسين الإيقاع وإعطاء القارئ وقفة وراحة خفيفة والدّلالة على أنّ الكلام مستمرّ بعدها، فإنّ عمل الفنّانة يشحنك بثقة الخروج من منطقة الرّاحة دون خسارة وهو المسار الذي اتّبعته في السّير من الرّسم والخزف نحو تجربة في استكشاف المادّة.
التّأليف:
بين التّلاشي والتجدّد في محاولة لمقاومة النّسيان كشفت أغلب أعمال الصّالون عن الولوج في عمق تجارب إنسانيّة تواجه الزّمن في مكان حامل للذّاكرة، تساءل العلاقات بالماضي تغوص في التّفكير في هويّتنا الفرديّة والجماعيّة متّبعة مسارا واضحا لتصل إلى فهم أعمق للذّات وعلاقتها بالعالم.
المراجع
- إبراهيم الحيسن، الفنّ التّشكيلي المعاصر صدمة الرّاهن، خطوط وظلال للنشر والتوزيع، الطّبعة الأولى 2022
- بنيونس عميروش، مسالك البصري مرجعيّات ورهانات الفنّ المعاصر، خطوط وظلال، الطّبعة الأولى 2021
- فتحي البس، نكهة الذّاكرة، دار محمّد علي للنّشر، الطّبعة الأولى، 2009
- محمّد الهادي دحمان، "الفنّ والمنزل نعم الدّار" مقتطف من سلسلة دراسات فنيّة "الفنّ والمكان، دار محمّد علي للنشر، الطّبعة الأولى، 2012
- سامي بن عامر، معجم مصطلحات الفنون البصريّة، إصدار دار نشر "المقدّمة"، تونس، 2021